محمد جواد مغنية

50

في ظلال نهج البلاغة

بالشهادة ، ولكنه أنقذ من الاسلام ما يمكن إنقاذه . . ومن يدري : هل يبقى للإسلام من باقية لو أصر الإمام على رفض البيعة . . صحيح ان الحروب في عهده قامت ولم تقعد ، ولكن كان من نتائجها أن عرف الناكثون ، وتميّز المارقون عن غيرهم ، وافتضحت الفئة الباغية بقتل عمار بن ياسر . . وصدق اللَّه العظيم : « ما كان اللَّه ليذر المؤمنين - أي الذين يتظاهرون بالايمان - على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب - 179 آل عمران » . وقال الشيخ محمد عبده في تعليقه : « إن الأطماع كانت قد تنبهت في كثير من الناس على عهد عثمان ، بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء ، فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا في مساواة مع غيرهم ، فلو تناولهم العدل انفلتوا منه وطلبوا طائشة الفتنة طمعا في نيل رغباتهم ، وأولئك هم أغلب الرؤساء في القوم ، فإن أقرهم الإمام على ما كانوا عليه من الامتياز فقد أتى ظلما ، وخالف شرعا ، والناقمون على عثمان قائمون على المطالبة بالنصفة ، ان لم ينالوها تحرشوا للفتنة ، فأين المحجة للوصول إلى الحق على أمن الفتن وقد كان بعد بيعته ما تفرس به قبلها » . ( واعلموا انني ان أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ) من كتاب اللَّه وسنّة نبيه ، وكان الإمام مشهورا بهذه القوة والصلابة في حق اللَّه ، وتواتر عن عمر أنه قال يوم الشورى : لو وليها عليّ لحملكم على الجادة ( ولم أصغ إلى قول القائل ، وعتب العاتب ) . أبدا لا يصغي علي إلا لدينه ، وهو غني به عما سواه ، أما دنياه فهي آخرته ، ولا يرتجي غيرها ، ولأجلها قبل البيعة ، كما قال : لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ اللَّه على العلماء ان لا يقاروا على كظة ظالم ، ولا سغب مظلوم - لألقيت حبلها على غاربها . ( وان تركتموني فأنا كأحدكم ) . لأنهم إذا تركوه يكون بلا ناصر ومعين ، وعليه يتحتم السكوت ( ولعلَّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ) . ما شك الإمام لحظة في أن الخلافة حق له دون غيره ، ولكنه لا يحارب من أجلها إلا إذا ضاعت حقوق المسلمين ، ووجد الناصر والمعين على حفظها وإقامتها . ومن أقواله : « واللَّه لأسلَّمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة » . وبهذا نجد تفسير قوله : « ولعلَّي أسمعكم وأطوعكم » أي بشرط أن تسلم أمور المسلمين ، وتكلمنا عن ذلك في شرح الخطبة 73 . وقال هيثم البحراني : أشار